الغول لا يأكل أولاده ( من مجموعة الفارس )

اذهب الى الأسفل

الغول لا يأكل أولاده ( من مجموعة الفارس )

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الإثنين فبراير 08, 2016 2:33 pm

الغول لا يأكل أولاده ( من مجموعة الفارس )
وقف منكمشا كالفأر المذعور يرقب أترابه فى أسى . عيناه الممزوجتان بدمع حبيس ترمقان النحلة الخشبية المستديرة .
الصبية من حوله يحزمون بطنها المنبعج بخيط ، ثم يقذفونها بمهارة نحو الأرض .
تدور حول نفسها بسرعة رهيبة حتى تصير حلقات من هواء!
يود من أعماقه أن يشاركهم . لكن هذا حلم . فما ان يتقدم حتى يتحلقون حوله ، يسلقونه بألسنتهم ، ويهشونه كالحشرة بعيدا!تشيعه صيحات مجنونه :
- الغول ، الغول .
تصدم الكلمات الجارحة احساس الصبى ، صاحب أحلك بشرة . كم حاول أن يسلخ جلده ، ميراثه من أبيه . حك الجلد طويلا بكوز اللوف ، وبقطعة طوب ، سال الدم ، وبقيت الحلكة !
بقى أبوه يطل من عينيه ، يرى تشفى الناس فيه !
أيام كان ذراع الباشا الايمن ، لم يكن ثمة مخلوق يقف أمامه ، أيام العز ولت ، وجاءت أيام الشقاء ، ودفع الدية .
قال له الشيخ عبد الفتاح ‘ شيخ الجامع ان اباه كان رجلا ، وكان يؤدى واجبه كخفير للسراى ، لكن الباشا سافر ، ووزعت أرضه ، ومعها الحساب القديم .
تحمل الأب مالاتطيقه الجبال ، سمع سبابا ، وتطاولا ، أراد أن يعيش بقية أيامه بجوار ولده الوحيد ، دون جدوى .
أخبر الشيخ عبد الفتاح أنه فقد القدرة على التحمل وهاجر بعيدا ، الى بلده حيث الجميع يحملون البشرة الحالكة ، والقلوب البيضاء!
كانت الأم قد أفهمت الصغير أن أباه مات ، لكن الشيخ أحياه ، أعاد له بعض الراحة .
أبى ليس غولا ، أنتم الغيلان . عاتب أمه ، أبى حى فى النوبه ، هناك الناس كلهم سود ، لكن قلوبهم بيضاء .
ذهبت الى الشيخ عاتبة ، قال لها :
- الغصن المقطوع يجف ويلقى للنار!
عادت يأكل قلبها القلق ، حاولت أن تستبعد ما فكرت فيه ، الصبى صغير ، لا يعرف شيئا عن البلاد البعيدة !
هجر الأولاد ، ونسى ولعه بالنحلة ، وعرف طريق الجامع والشيخ ، أريد أبى !
شعر بالذنب ، هل فتحت للغلام بابا يدخل منه الريح؟
والمسكينة التى لا تملك سواه ؟
هل يفعلها ؟
الولد يذهب ويجئ ، ويلمحها تراقب من بعيد .
أرسل الأب خطابا يسأله عن الطفل والأم ، انسابت دمعتان على وجنتيه ، وهو يكتب له عن شوق الولد ووحدته !
فى الخطاب التالى طلب منه ابلاغ الأم بالتجهز للهجرة واللحاق به ! لكنها رفضت تماما ، قالت فى تصميم :
- لا يمكننى العيش هناك ، يكفى ان أطمئن عليه من الخطابات !
أخبره بالرد ، وصمتت خطاباته شهرا، كان الولد خلاله يمزق قلبه :
- أريد أبى ، قل له يأتى ليأخذنى من هنا .
- وأمك ؟
- لتظل هنا فى بلاد البيض ، سوف أرسل لها كل أسبوع خطابا .
- لكنها ستحزن !
- أننى حزين منذ ولدت .
استطاع الصغير أن يقنعه ، ظل ساهرا ، كمن يقدم على ارتكاب ذنب كبير ، يدور عقله كالمحرك ، فى الفجر صار مهيأ للكتابة ، قال للأب كل شئ !
ذهب الخطاب وعاد في شهرين ، قضاهما الولد فى التساؤل والبكاء ، وحين تسلمه ، شعر أنه ارتكب خطأ فادحا !
حدد الأب يوما سيأتى فيه لينتزع القطعة الباقية منه !
أراد أن يسر للأم التى ترقب من بعيد ، لكن شيئا أكبر منه كان يدبر الخروج .
فى اليوم الموعود جاء وجلس ، الصبية يلعبون النحله ، لا يهتم ، نظروا نحوه وسبوه :
- الغول ، الغول .
لم يسمع ، كان عقله الصغير يلهث خلف أبيه القادم فى سيارة من بعيد ، يرى بصحبته أقرباء سود ، يبتسمون . يقترب ويقترب . عندما ارتفعت الشمس جاءت الأم تبحث عنه . أدارت عينيها فى جوانب الساحة ، التقتا بعينى الشيخ ، ثم أجهشا بالبكاء .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى