مأساة أنور ابن عمتى !

اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتى !

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 10:34 pm

رغم ان أنور ابن عمتى كان يكبرنى بخمسة عشرعاما على الأقل ، فقد صرنا أصدقاء !
البداية جاءت من ناحيته ، فمال ذات مرة على أذنى ، بينما يحلق شعرى وبث لى شكواه : من أبيه ، ومعلمه ، وقائد كتيبته الذى سبه بالأم !
احتشدت بكل حكمة تلميذ فى الصف الرابع الابتدائى ، وابتسمت كما يفعل الكبار ، وقلت كلمتين مما سمعته من أبى وأمى :
- الصبر طيب !
شجعنى اقترابه ، أن أطلب قصة كقصة المعلم محمد المكى الصغير ، نجل صاحب المحل !
قال لى ضاحكا : - خواتم ؟
ثم دار بالمشط على شعرى الأكرت شديد الخشونة ، وتحسسته ، لألمس خواتم منتشرة ، وأشعر بالسعادة عندما أدخل اصبعى فيلبس احدها !
فى المدرسة لم أكف عن لبس الخواتم ، لكن أحدا لم ينتبه ، اخترت زميلى شلبى عبد اللطيف ، وقلت مزهوا :
- خواتم ، زى الأسطى محمد المكى الصغير !
قهقه شلبى ، وصاح جامعا العيال حولى :
- دا فرشة حمام ، خواتم ؟ ها ها !
انكسر خاطرى شظايا ، ونمت متكدرا ، وحين جاء أنور يودعنا مسافرا للجيش ، صافحته ببرود ، وفوجئت به يخرج مشطا من جيبه ، ويديره فى الأجمة الملبدة قائلا بود :
- متلعبش فى شعرك !
غاب طويلا ، واشتقت الى شكواه ، وتهدج صوته :
- أنا مالى يا ابن خالى ومال اخواتى البنات ؟ افرض مجاش عريس ، أفضل عازب طول عمرى ؟
حاول أبى زحزحة والده عن قراره بلا فائدة :
- اخطب له عشان يفرح ، يا عالم مين يعيش !
مرت شهور دون خطاب ، أو اجازة ، أو رد ، أمه رقدت كالميتة !
اقترح أبى أن يذهب الى وحدته التى يكتب عنوانها فى السويس على ظهر رسائله !
لكن خطابا مفاجئا وصل منه ، يخبرنا أنه فى اليمن مع كتيبته ، لمساندة ثورة المشير عبد الله السلال .
يضم ايضا صورا له بالسلاح ، وبجواره أشقاء يمنيون بالعقال والخنجر !
اشتد خوف عمتى ، وار تفع بكاؤها ليدخل البيوت المجاورة ، فتأتى النساء متشحات بالسواد ، ليجلسن واضعات أيديهن على خدودهن .
والى هنا نتوقف لنكمل ان شاء الله الحلقة الثانية ، من مأساة أنور ابن عمتى !

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحلقة الثانيةمن مأساة أنور ابن عمتى

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 10:35 pm

الحلقة الثانيةمن مأساة أنور ابن عمتى :
ربما يرفع الحجاب عن الصغار ، لأننى كنت أسمع الدجاج يبكى مع عمتى ، وكذلك الكلاب وحمار الدوايحه جيرانها !
.أردت أن أحدث أبى ، وأسر اليه أن مخلوقات غير آدمية ، حزنت من أجل أنور الطيب .
كنت مكروبا مثل الجميع ، وسمعت همسا انه ربما لا يعود ، وتخيلت البيت يسبح فى الفجيعة ، والحزن يغطى الغرف والحمام ، بل ويصعد السطح عند الدجاج ، ثم يتسلل الى حوش الدوايحه !
أثناء نومى مفتوح العينين ، انتابنى ندم كثيف ،مثل ضباب الصباح . قلت لنفسى اننى حزين من أجل قصة الخواتم فقط ، و من أجل شعرى الذى تداخل كالغابة !
من المفروض أن أفتقد أنور بلا منفعة !
ذات صباح ، مللت من تحسس فرشة الحمام ، وذهبت أحلق . وقف المعلم المكى الصغير يربط لى الفوطه ، ويطقطق بالمقص فوق رأسى كأنه سيقطعها .
أردت أن أطلب قصة الخواتم ، التى ابتكرها ، لكنه ضغط رأسى بيده الجافة قائلا بغضب : وطى ، عايز أشوف شغلى !
أين أنت يا أنور ، أين لمساتك الرقيقة ، وهمساتك فى أذنى كأننى صديق فى سنك ، لعبنا معا ولنا ذكريات مشتركة !
تندت عيناى بالدمع ، ونسيت أنى فى المحل ، وسرحت مع صديقى الغائب فى اليمن!لم أفطن الى يأسه من شعرى ، ولا الى قراره باجتثاثه من جذوره نمرة 1 !خرجت كالدجاجة المقصوصة ، وشهقت أمى ، وضحك ابى ثم أعطانى طاقية شبيكة أخفى بها عارى !
فى اليوم التالى جاء خطاب من أنور ، طويل ملون ، مكتوب عليه البريد الجوى !
حمله أبى كالكنز ، وذهب ممسكا يدى الى عمتى ، هناك بدأت وقائع القراءة المؤلمة التى حضرتها كل نساء الحارة ! وهنا نتوقف لنكمل ان شاء الله فى الحلقة القادمة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتى - الحلقة الثالثة :

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 10:58 pm

مأساة أنور ابن عمتى - الحلقة الثالثة :
الخطاب فى يد أبى ، كأنه المصباح الذى قرأت عنه فى قصص كامل كيلانى ، ما ان يفتحه ، حتى يقفز أنور من داخله بابتسامته العذبة !
لا شك أنه سيترك الجمع الملتف ، ويحتضننى هامسا بأسرار حرب اليمن !
هل يفعلها ويحرجنى ، عند رؤيته لما أصاب الخواتم من دمار ، قائلا بصوته الرفيع :
- مش قلت لك ما تلعبش فى شعرك ؟
عيون لامعة بعضها ملئ بالقلق ، وبعضها تتصنعه !
هل يتوقع الكبار ، مثلى ظهوره ، أم أنهم ينتظرون مجرد كلمات تبل ريق أمه الجاف المتشقق ، وقلبها الحار كالفرن عندما تحمر عرصته ؟
كانت عمتى تجلس فوق احدى ساقيها ، فيما تمدد ساقها المعطوبة ، ويجلس زوجها يفتل شاربه بلا ارادة ، وتتأجج عيناه الصغيرتان المليئتان بمكر تجار السمك بمشاعر غامضة ومتضاربة !
نسوة الحارة والحارات المجاورة يتداخلن فى فراغ الحجرة الصغيرة ويتمددن فى الصالة وعلى العتبة مرهفات الآذان لكل صوت !
فى حركة عصبية رفعت عمتى رأسها الأسيان الساقط فى الارض ، كأنه يرفض أن يرى الجمع ، أو معالم الغرفة الكئيبة ، أو الضوء المنهمر من النافذة ! تريد فقط أن ترى وجه الحبيب المفارق ، وتتمنى فى أعماق قلبها المتقد ،لو مدت يدها فاختطفته من الحرب والجبال ، وأتت به الى الغرفة ، وأراحته على ركبتها كما كان يفعل !
استلت الخطاب من يد أبى المصر على الوصول بالشوق الى مداه ، وفتحته بعناية ثم أعادته اليه قائلة بصوت خافت محمل بالشجن : - اقرا بقى يا اخويا ، مش قادره !
ثمة قطة اقتحمت المكان ، وحاولت البحث عن موضع ، لكن أيد كثيرة زجرتها : بس بسك أسد !
فخرجت تجر ذيلها ، ووقفت بعيدا بحيث تستمع !
بدأ أبى بصوت عال مستقيم ، لم تدركه طبقة التأثر بعد :
- والدى الكريم ، أمى الحبيبة ، أخوتى الأعزاء .
- انت اللى حبيبى يا ضنايا يا غالى .
نهرها أبوه بصوته الجاف الحاسم : اسمعى بقى .
فى هذا السطر تهدج صوت أبى ، وأدركه الحنان الفطرى :
- أنا بخير والحمد لله ولا ينقصنى الا مشاهدة رؤياكم التى هى غاية المراد من رب العباد .
هتفت امرأة : الحمد لله انه كويس !
صاح الأب المعتاد على ملاحاة النساء يسكتها : طولى بالك يا حاجه .
فى وسط هذا الجو المشحون بالتوتر تتابعت السطور تهدى السلام والتحية لكل من يسأل عنه صغيرا وكبيرا ، سلاما أرق من النسيم واعذب من الماء السلسبيل ، أخيرا جاءت فقرة فى الخطاب ، كأنها مكنسة ساقت الحزن بعيدا ونظفت الدار منه تماما ! لم تستطع عمتى ان تعتقل ابتسامتها ، بل وزغردت احداهن ، ولم يعترض أبوه !
ماذا ورد فى تلك الفقرة ؟ هذا ما سنعرفه ان شاء الله فى الحلقة الرابعة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتى /الحلقة الرابعة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 10:59 pm

مأساة أنور ابن عمتى /الحلقة الرابعة
في صالون الأسطى محمد المكي ، لا تبرد الأحاديث أبدا !
تصعد من الحناجركالأرغفةالساخنة :
حناجر الجالسين تحت رحمته، يحنى رقابهم ويتصرف في رؤوسهم وأقفيتهم وذقونهم !
أو المنتظرين ، يقطعون الوقت الممل بالكلام ، فيما تنشغل أيديهم بقص الأظافر !
أحاديث في السياسة ، والزراعة ،والتجارة ، والزيجات ، والخيانة والطلاق والسرقة والإفلاس والجن والمرض !
كل أسرار منية المرشد تنثر هنا كأنها جاءت في جوال ملئ بالثقوب ، يضيق بها المكان ، فيتسرب بعضها إلى الهواء في الخارج !
انه درة الصالونات في القرية ، وملتقى الأثرياء والأعيان ، يحلقون ويعالجون من الأمراض ومن الوهن الزوجي !
ثمة صالونات صغيرة يرتادها البروليتاريا ، مثل صالون
الأسطى عبد الونيس الذي صرت زبونا فيه ، منذ اكتشفت أن جريدة الأخبار تأتى إليه يوميا !وكان من نتيجة تجاهلى للقول المأثور : لا تخيط عند غزى ولا تحلق عند عبد الونيس ، اصابتى بالتهاب حاد فى ذقنى ، لا زلت أعانى من آثاره !
وصالونات عائلة القصاص ودرويش المنتشرة شمالا
وجنوبا ، لكنها ضيقة ، لا ترقى الى نظافة وفخامة الصالون الكبير ، المطلي بالزيت ، والمزخرفة جدرانه بآيات وحكم ، أبدعها الخطاط سعيد برشيد !
الأسطى محمد الكبير عندما يتواجد ، ينحني فوق الزبون ، كأنه قطعة منه ، أصبح الانحناء من لوازمه ، ماشيا أو حتى جالسا !
قليل الكلام ، خفيض الصوت ، عكس الأسطى محمد الابن ، الذي لا يكاد يظهر في الصالون ، لأنه يدور في أزقة وحواري القرية يعطى الحقن للمرضى ، ويغير ضمادات الجروح و يصف العلاج للسخونة والتيفود والزحار !
الأسطى الكبير عندما يحلق لأحدهم يقوم بالضروري فقط ، لكن ابنه ومن قبله أنور يبالغان في تلميع وجه الزبون وقذاله ، بالماكينة والموس والفتلة ، ولا ينسيان التقاط الزغب من الأنف والأذنين وفوق عظمتي الخدين وبين الحاجبين !كما يدلكان خديه بالكولونيا فيهتز من حرقتها وروعة عطرها!
في الأوقات القليلة التي يظهر فيها ، يدخل البهجة على الزبائن بنكاته وتعليقاته وحكاياته !
من حسن الحظ أنه كان موجودا في الليلة التالية لتلاوة خطاب أنور ، ومن حسنه أيضا أن الذي يحلق بين يديه ، هو الحاج محمد النشار ، السياسي المحنك ، الذي يعرف مناطق النزاع في العالم ، وأسبابه .
سأله الأسطى الابن عن حرب اليمن ، فرفع رأسه ، ورفع عنه المقص ، وبرقت الأعين ، والعقول الفارغة التي تتمنى أن تمتلئ ببعض ما يجرى في العالم !
صال الحاج النشار وجال ، تحدث عن الإمام البدر ، والتخلف الذي فرضه على اليمن ، وكيف أن ثورة السلال ستنقل الدولة الفقيرة المهملة نقلة كبيرة نحو التقدم ! لم ينس دور عبد الناصر ، ودور جنودنا البواسل !
لا يجرؤ مخلوق على مقاطعته أو سؤاله ، فأين هم من ثقافته واطلاعه على الجرائد وسماعه إذاعة لندن !يبتلعون حيرتهم المليئة بالاسئلة : أين توجد اليمن تلك ؟ وكيف يمكن الوصول اليها ؟ وما معنى التخلف ؟ وماذا يفعل حلاق مثل أنور وسط هذه المعمعة ؟
هنا تذكر الأسطى محمد الابن صديقه أنور ، الغائب في الجبال ، واهتز قلبه للذي لم يهنأ يوما بشبابه !
عادت إليه مشاهد التعليم ، حين كان أبوه يضربهما بكل ما تصل إليه يداه ، ويرغمهما على الوقوف ساعات طويلة بالمنشة ، يطردان الهوام التي تقترب ممن يحلق ، وتجعله ينتفض فيجرحه المقص !
قال بصوت عال : أنور بعت جواب امبارح !
اندفع احد جيران عمتي يحكى ما حدث في نهاية قراءة الخطاب :
- قال لأبوه إن كتيبته هترجع مصر وتروح كتيبة تانيه بدالها ، وانه خد مكافأة كبيرة وفضل يعد الفلوس طول الليل وغلط في العدد كام مرة ، في الأخر قال له يا با راجع لك بخير كتير ، هرميه في حجرك ، بس أمانه عليك اجى ألاقيك خاطب لي !
علق الأسطى المكي الصغير : - وأبوه وافق؟
قال الجار متهكما : طبعا ، وخاله رمزي بيدور من امبارح !
كان كلام الجار حقيقيا ، فقد جلس أبى يكتب أسماء البنات ، ليعرضها على عمتي وزوجها ، وفى النهاية وقع الاختيار على بنت فائقة الجمال ، من أسرة طيبة ، واستعدوا للذهاب الى أبيها ، فكيف جرت الأمور ؟
هذا ما سوف نعرفه بإذن الله في الحلقة الخامسة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي / الحلقة الخامسة :

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:00 pm

مأساة أنور ابن عمتي / الحلقة الخامسة :
البنت التي خطبوها لأنور ، لها نافذتان واسعتان مترعتان بالعسل .
تمرح روحها الفاتنة فيهما وتسحب الناظر كما البحر ، فيكاد ينزلق ، ويخرج من هذا العالم !
أما وجهها فتفاحة لبنانية ناضجة وشهية ، تتماوج فيه أضواء الكلوب
المعلق في السقف .
يؤدى وشيشه المستمر إلى توتر أعصابها الرقيقة ، فتحرك يديها وساقيها .
تحبط رغبتها في فتح صمام الهواء، ليسقط هذا المزعج في العدم ، ويعاودها الهدوء الذي تعشقه !
جسمها فارع ، يتمايل كالغصن ،، داخل ثوبها البسيط الأبيض المنقوش بورد أحمر !
قالت عمتي بعد أن زارتها ووضعت يدها على ظهرها ، إنها تشبه الملبن.
فجأة وبينما يتفق أبى مع أبيها ، هبت ، وسحبتني من يدي كشئ برئ لا خوف منه ، وصعدت بى السطح .
ثمة نجوم تومض ، لاشك أنها ترى أنور في جبال اليمن ، وتسر إليه بما يحدث الآن . ربما تصف له كذلك حسن عروسه !
النسمة قادمة من ناحية البحر ، طرية ، تعبث بشعرها الخيلى الفاحم المنسدل بلا خجل حتى أسفل ظهرها !
ابتسمت عن أسنان صغيرة منضدة تبرق في الظلام ، وقالت :
- أنت في سنه كام !
قبل أن افتح فمي ، عادت تسألني ضاغطة يدي المختفية في ربع يدها البضة كالزبد : هوا أنور شكله إيه ؟
وبقدر ما استطعت قلت :
- شعره أكرت زى شعري ، ولونه قمحي وعنيه حلوه زى عنيكى !
تركت يدى ، وفتشت وجهي ، ثم هبطت سريعا كأنها احست بالخطر ، وهبطت خلفها .
كان أبى يتفق على العشاء بعد أن انتهى من المهر والذهب :
عشرون جنيها تكاليف اللحم والبطاطس والأرز !
البطاطس طبق رئيسي في أفراح منية المرشد خلال الستينات . يحضر بكر الرشيدي جوالا ، ثم توزع على بيوت الحارة ، فتقشر وتقطع شرائح .
يوم الفرح ستطهى في صلصة الطماطم فقط ، وستكون أشهى الأنواع إلى حد شرب الصلصة من الطبق !
اللحم يقطع ، ويسلق ، ثم ينشل ويحمر ويقدم .
بجواره الحساء الذي تعوم فيه بصلات مسلوقة ، تفوح منه رائحة المستكة والحبهان .
الأرز المسلوق الساخن يوزع في اوانى من الصيني ، تخرجها النسوة من جهازهن مجاملة ، بعد الطعام يأتي الشاي ، وتبدأ الثرثرة !
يوم الدخلة تقوم النساء مع الفجر ، ينصبن البوابير والكوانين ، ويتخففن من ملابسهن أمام الوهج ، وتتورد خدودهن ، يبقين بالقمصان الشيت الخفيفة ، بلا أكمام .
يكون الرجال بعيدا عنهن ، لكن الغلمان يحومون بلا لوم !وقد يساعدون في جلب الحطب وغسل الاوانى والنفخ في النار !
في نفس الليلة كتب أبى لأنور خطابا ، يسجل فيه كل كلمة وحركة !
ونمت أتخيله يبتسم ، ويلقى بؤسه المعتق في الجبل ! اعد الأيام لقدومه ، ويسرح خيالي في هديته التي وعدني بها !
بدأ أبوه ترميم البيت ، وطلاء الحجرة التي ستعيش فيها عروسه ! ولم يعد مؤجلا إلا الجهاز والذهب ، لحين قدومه !
بعد أن كانت عمتي تسح الدمع وتطلق الزفرات الساخنة من فرن قلبها ، صارت مبتسمة ، تغنى بصوتها الضعيف :
خدناها بالسيف الماضي وأبوها مكنش راضى
ثم تزغرد ، فيخرج شئ كالصياح !
وكنت اسمع الدجاح يشاركها على السطح ، بينما تنطلق ضحكات حمار الدوايحه ، وتبرق عينا القطة وتهز ذيلها .
تأتى النسوة ويشاركن في الغناء والدق على طشت الغسيل :
يا ما قالوا ما ياخدهاش خدها هوا وكاد الناس
، واستمر الحال هكذا حتى عاد الفارس المنهك ، وهذا ما نتحدث عنه في الحلقة السادسة بإذن الله .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي / الحلقة السادسة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:02 pm

مأساة أنور ابن عمتي / الحلقة السادسة
ليلة قدوم المسكين أنور ، جمعت كل المتنافرين :
عمى الأوسط الذي قاطع شقيقته لسبب تافه ، وعمى الصغير المشغول دائما بعرباته الكارو ، وسيلة المواصلات الوحيدة ، والمصنف ضمن أثرياء القرية ، وعمتي المقيمة بعيدا في سيدي سالم ومعها ابنتها ذات الجمال الغريب على قريتنا ، متفوقة بعينيها الوحشيتين ، وفمها المطبوع على ابتسامة تشبه السحر، وقوامها المصنوع من نار ، على عروس أنور نفسها !. كذلك عماتي الواقعات في أسر أزواجهن وأولادهن ، وجدي المتجهم طول الوقت ، لأنه أنجب هؤلاء العاقين !
وجدتي زمزم الناقدة لكل شئ في الدار : البنات البائسات ، والولد الصغير زميلي في الفصل ، والفراخ التي تمرق بين السيقان !
الحجرة والصالة امتلأتا منذ الضحى ، وبدا انه لابد من وجبة غداء لعدد معتبر من البطون الخاوية .
نادت عمتي الولد حمدي الذي لا يذاكر مثلى رغم اقتراب امتحان القبول ولا يقرعه أحد .
أسرت في أذنه ، فانطلق يعدو نحو أبيه .
كان جالسا في السوق أمام منضدة مليئة بالبوري والطوبار والبلطي ، بينما تضرب القراميط بذيولها في محاولات يائسة للخروج من نصف البرميل الملئ بالماء !
مال على أذنه الكبيرة المليئة بالشعر ، فاربد وجهه ، وانفلتت عدة لعنات من بين شفتيه .
ارتعشت يداه وهو يفرز كومة من الشر ، ثم يضعها في قرطاس من ورق شكائر الاسمنت .
قامت عمتي إلى حجرة العروس التي تفوح رائحة طلائها الجيري الأحمر لتثير الأنوف ، أغلقت الباب
ونظرت في القرطاس !
هل يكفى ؟
لم تكن تستطيع إعادة الصغير! ربما يضربه ، وربما يأتي فيسمعها كلمات جارحة !
لا حل سوى إعطائه لإحدى البنات لتشويه في فرن أم الشناوي، ولقمه هنيه تكفى ميه ، مع السلاطة والبصل !
عندما فاحت رائحة السمك ،وشعرت الجالسات بقرب الغداء ، قامت عماتي ليطعمن أسرهن وتفرقت الجارات ، وهب جدي وجدتي ، رغم محاولات ضعيفة من عمتي لاستبقائهما.
تنفست الصعداء ، ومر الوقت ، وعادت اللمة قبيل المغرب .
لم يكن احد يعرف متى سيصل ، وكلما سألوا تجيب :
هوا في أيد نفسه ؟ دا في ايد الحكومة يا ضنايا !
جاء شباب العائلة على صيت البنت الأمورة من سيدي سالم ، ولم تتأخر جدتي زمزم في طردهم :
- ياللا انت وهوا متعفوش علينا زى الدبان !
طاروا كالعصافير المذعورة ، وخلا الجو لحمدي صاحب البيت ، وشقيق العزيز القادم !
يهمس لها فتضحك ، ويشتعل قلبي الرقيق ، الذي كلما أراد أن يستيقظ ، يضغط أحدهم على رأسه فيعاود النوم ! لكنه نوم مرهق ، مسكون بالكوابيس !
عاد الأب من السوق ، وجلس أبى يثرثر معه ، ومضى
الليل كسلحفاة ، باردا من أثر الرياح الخريفية .
تفرق الجمع ، فلم يبق إلا الأهل وأم العروس التي سقط جفناها ، لكن الواجب يقتضى أن تصبر ، حتى ترى العريس ، الذي يقترب من بيته!
أسند جدي جدتي من تحت إبطها ومضيا يتثاءبان ، وجاء أبناء عماتي فاصطحبوهن ، وهم يقولون كخبراء :
- مش هيجي غير بكره الضهر !
ارتمت عمتي الغريبة وارتفع شخيرها ، لكن ابنتها مفنجلة العينين ، ملتصقة بغريمي!
شقيقات أنور نمن من الإجهاد ، وصارت الغرفة تعبق برائحة النوم والعرق والأجساد المكدودة والآمال الضائعة !
كنت محتفظا بتوازني، القرية كلها نائمة ، بما فيها من حيوانات وطيور، و صالون المكي الذي سهر حتى وقت قريب ، وتحدث فيه النشار وعبد الحي سلطان عن عبد الناصر والملك سعود ! وصالون درويش ، وقهوة المسلوع ، وقهوة مرشدي وقهوة دسوقي ودكان إبراهيم عاصي ودكان احمد درويش ، حيث تعبت هذه الأماكن من اللغو المكرر وخلدت إلى الراحة !
السوق أصبح كتلة ظلام . أغمضت عيني أتخيل المشهد العظيم . ماذا افعل ؟ هل احتضنه وابكي ، أم اكتفى بمصافحته ؟
وماذا ستفعل عمتي ؟
في لحظة ، ارتفعت زغرودة من امرأة خرجت لأمر ما ، فرأت أنور ، وكان ذلك كافيا ليهب النائمون ويحمل احدهم اللمبة التى يعابثها الريح ، وتزحف عمتي عدة أمتار ، ثم تعتدل مندفعة كالسهم .
احتوته في حضنها وارتفع بكاؤها يختلط ببكائه ، كان أشد نحافة وإرهاقا ،تبدو عيناه باهتتين غائرتين .
ارتمت عليه بثقلها فسقطا معا ، وتمرغا في التراب ، واشتد الأنين محملا بعذابات طويلة !
لم يفكر احد في الاقتراب منهما ، ووقفنا نرقب المنظر بعيون دامعة ، أما ما حدث بعد ذلك فسنوافيكم به في الحلقة السابعة بإذن الله .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة السابعة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:03 pm

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة السابعة
بعد أن شبعت أمه الجاثمة في التراب تركته لباقي المشتاقين .
أدركني في الزحام ، فاحتضنني وأمطرني بقبلاته ، ولم ينس أن يقول : - - بتلعب في شعرك ليه ؟
قبل وصوله ، أعفى وسلم مهماته ! صار مواطنا عاديا لا شأن له بالجيش .
نام حتى العصر ، وجاءت الوفود تسلم عليه ، على رأسها العمدة الجديد الحاج عبد الرءوف الصمودى .
كانت فترة الحداد على عمدة القرية السابق الحاج محمد خواسك ،قد انتهت !
لهذا استطاعت عمتي أن تصنع طستا من شربات الورد أذابت فيه ثلاثة أقماع سكر !واتفقوا مع المرحوم سعيد عبده أن يرص المواويل الليلة القادمة .
امتلأت الغرفة الجديدة بالزغاريد ، وتردد صداها عندما اصطدمت بالطلاء ، فخرجت إلى الشارع .
في الجامع والدكاكين وعلى الكباري والجسور وفى قلب الحقول ، تبارى الناس في تحديد المبلغ الذي عاد به !
لأن النقود آنئذ نادرة ، كنا نقول لبعضنا على سبيل التعجيز :
- هديك عشره جنيه لو نطيت المصرف !
قيل انه ألف ، وقيل ألفان ، كلاهما رقم ضخم غير مألوف ، لا يملكه العمدة ! ولا أصحاب الأراضي وحلقات السمك .
قال المسنون في جامع المرشدى ، إن الألف جنيه تشترى عشرة فدادين ! لم يفكر أحد في المهمة الوطنية التي قام بها ، ولا في المخاطر التي تعرض لها من أجل نجاح ثورة اليمن !
ما الذي يدفعهم إلى التفكير في المسائل العويصة ؟ ليتركوها للنشار وعبد الحي سلطان وشباب المدارس الذين يجلسون بجوار دكان المعلم أبو طبيخ .
ستضاف تلك إلى مواقف محيرة ركنوها في جوانب رؤوسهم منها : لماذا نحارب اليهود ؟ وما هي فلسطين ؟ ولماذا أمم عبد الناصر مضرب أرز خواسك الذي يعمل فيه عشرات من أبناء القرية ؟ وكيف يتركه صاحبه الحاج محمد ، ويذهب يوميا كمدير لمضرب قرية الجرايدة على بعد خمسين كيلو ؟
ما عليهم إلا تقديم أبنائهم من أجل حروب لا يعرفون سببها . الأموال هي الشئ الوحيد الذي يشعرون بقيمته ، وان كانوا لا يتخيلون ، كيف يمكن لوالد أنور إحصاء هذه الأوراق الجديدة التي تخروش في يديه !ّ
إن آخر حدودهم الجغرافية مطوبس ، يقرفصون على عربات عمى طلحه الكارو ، وينامون بكل تجرد حتى يوقظهم عند بيت السيد عاطف ، الذي هو أول حدود المدينة !
كان أنور يتحرق لانفضاض الجمع ، ليهرع إلى عروسه التي سمع الكثير عن جمالها .
ما إن خفت الأرجل ، حتى ارتدى جلبابا جديدا فصلوه له عند المعلم على زبيب، ونثر الكثير من الكولونيا على وجهه وثيابه ورجل شعره . سار يضغط بقدميه تراب الشوارع كأنه يضمه .
تندفع أمامه مشاهد انتابه اليأس في رؤيتها ثانية ! سيدات أمام الأبواب وفوق المصاطب رحبن به .
حين وجد نفسه في مواجهة العروس ، أدرك صدق الوصف الذي دبجه أبى في خطاباته !
كلما نظرت إليه تتفحصه يرتعش ويكاد يسقط من طوله !
تمتم ببعض كلمات لا رابط بينها .
تبتسم عن أسنان بلورية ، وتشيع في الغرفة
بهجة لم يذقها من قبل !
جاء أبوها فجلس قليلا ، ثم خرج . سارت وراءه خطوات ، حتى تأكدت من مغادرته البيت .
سحبت أنور من يده كما فعلت معي إلى السطح .
كنا بعد المغرب بقليل ، ولفحة هواء بارد تضرب القش والحطب المتراكم . لم يشعرا بالبرودة ، وزحفت يداهما لتتلاقيا ، وارتعش أنور ثانية ، وعاد يتمتم ، بينما تنطلق ضحكاتها التي تشبه شدو البلابل !
انهمك الجميع خلال الأيام التالية في إتمام الزفاف ، وذهب أنور إلى الصالون ، ووقف وراء المقعد المتحرك ، يحلق ،
ويثرثر بما رآه وسمعه . كان النشار لدى وجوده ، يقاطعه كثيرا ، ويصحح له أسماء بلاد في اليمن ، ويحدثه عن عادات وتقاليد كأنه كان معه . يهزأنور رأسه متعجبا :
- كل دا في الجرنان الصغير اللي شايله تحت باطه ؟
ذهبت احلق شعري ، وابتسم وهو يجوس بالمقص ، ويصنع الخواتم ، ويخبرني بفرحته :
- العروسة حلوه قوى !
وجدتني أقول له :
- انأ نجحت في القبول !
وأفلح استدراجي فقال :
- انأ جايب لك هديه حلوه .
في المساء جاءت أخته تحمل لعبة لي وايشارب لاختى وساعة روسكوف لأبى !
لعبتي عبارة عن قرد يعمل بالبطارية . جلست أمام البيت أدير الزر ثم أتركه فيقرع الطبلة المثبتة على صدره ، ويتحرك عدة خطوات !
نسى أنور خاليه الآخرين : عمى الصغير لم ينشغل كثيرا ، فلديه عمل لا يكاد يفيق منه !
أما عمى الأوسط ، فقد ذهب إلى عمتي وفرج عليها الجيران ، وخرجت من فمه ألفاظ مهينة جعلتها تنخرط في البكاء !
لم يكن ثمة بد من إرضائه ، لأن الفرح على الأبواب ! وفى غمرة الارتباك والعجلة أرسلوا له هدية ، لكن الأمر انتهى بفضيحة ! وهذا ما نعرفه بإذن الله في الحلقة الثامنة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي الحلقة الثامنة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:04 pm

مأساة أنور ابن عمتي
الحلقة الثامنة
ليس في متناول اليد بعد توزيع الهدايا ، سوى شبشب بلاستيك !
كان ذلك شيئا لا يستهان به ، لكن المفارقة أنه قديم وبه لحامات !
ربما عثر عليه أنور في الجبل ، وصعب عليه تركه في العراء فاصطحبه في الحقيبة !
لم يبتلع عمى الأوسط تلك الاهانة ، وقد تحرى عن ساعة أبى ولعبتي وايشارب أختي !
حمله واندفع بفعل الغليان ، فلمحه والد أنور وهو على فرش السمك . حاول أن يستوقفه بلا جدوى !
وأمام بيت قنيطر رفع ذراعه ، ليقذف الهدية بكل قوته فوق سطح عمتي !
ظل النزاع مستعرا بينهم سنوات ، ولم يحضر الفرح ، الذي أحياه مصطفى المليجى !
لم يفز أنور سوى بغرفة مطلية بالجير ، وعروس جميلة !
استولى أبوه على بقية المكافأة ، وبدا كالتمساح الذي ابتلع طفلا ثم ذرف الدموع !
لم يستطع المسكين أن ينبس بكلمة ، سوى في خلواته مع معلمه المكي أو مع أبى !
كان يقارن ما آل إليه حاله ، مع ما جرى للحباك الذي كان معه في اليمن .
لقد افتتح عدة مكتبات له ولإخوته بمطوبس، وكأن القدر كان ينتظر ليقبل عليها الصغار والكبار!
بينما يقبع هو في غرفة لا تدخلها الشمس ، مضطرا للعمل كأجير في الصالون ليجد قوت يومه !
لم يجرؤ مخلوق على فتح الباب ، فربما تأتى منه عواصف لا يمكن التكهن بنتائجها !
ظل متجهما ، مهموما ، كأنه خلق لذلك !
الناس في جامع المرشدى كفوا عن حديث المكافأة ، وانشغلوا فيما يجرى من أحداث سريعة ، تكاد تعصف باستقرار القرية !
فللمرة الأولى يمسك أحدهم بيد العمدة التي ارتفعت لتصفعه وتنهى النزاع ! بل وصرخ فيه بوقاحة :
- حولني على النقطة ، ملكش ضرب عليا !
دخلنا عصرا جديدا وخطيرا ، فكلمات عبد الناصر في الراديو ، وجلسات المتعلمين في السوق أنتجت ذلك !
لم يكن المسنون سعداء بهذا ، فالاحترام واجب ، والخوف يؤدى إلى الاستقرار !
أشفقوا أن يعدو الصغير على الكبير ، وتضيع الحقوق في دهاليز الحكومة . تمنوا لو عاد عصر خواسك ! لكن الزمن يمضى دون أن ينظر إلى الخلف !
وقال النشار في صالون المكي :
- الحرية متنفعش معانا !
وجاشت نفس أنور بالحزن ، تمنى لو يمتلك شجاعة الشاب الذي أمسك يد العمدة ، ويواجه أباه :
- حاسبني وهات بقية فلوسي !
لو رفع يده ، اقبض عليها واصرخ :
- أنا مش عيل ، أنا راجل متجوز !
ارتجف من الداخل عندما صاح النشار :
- العمدة كلم المأمور وخدوا الولد ! منية المرشد
هتشوف أيام سوده !
سأل نفسه كثيرا : ليه الحرية متنفعش معانا ؟
في دكان أبو طبيخ أعجب المتعلمون بالتصرف الجرئ . وبينما تأفل شمس العصور الوسطى في منية المرشد ، التهب الموقف السياسي ، وبدا أن نذرا وغيوما داكنة في الأفق !
وتمر الأيام ، وتأتى أم العروس لتطمئن على خصوبة ابنتها ، لكن المرض الشهري يطيح بالآمال !
ويبدأ الهمس ، ويسر أنور لأبى بخوفه أن يكون عقيما ، فيصحبه سرا إلى دمنهور !
وبعد عدة زيارات بشره الطبيب بأنه سليم ومنجب !
هنا بدأت القلاقل ، ونشطت الأم تعرض ابنتها على الدجالين ! وانطفأت عيناها فلم تعودا ترسلان البهجة .
ابتسامتها غاضت ، وأهملت في ملابسها وكحلها وصبغ شفتيها !
وشعر أنور أنه منذور للبؤس ، فبعد التشرد والضياع في بلاد مقبضة مليئة بالخوف ، عاد ليستريح ويعيش كبقية خلق الله !
لكن لا مفر من الحزن والتمزق !
حاول أن يخفف من لظى زوجته ، وأسر لها كلمات تنبئ عن حبه وعدم اهتمامه بموضوع الإنجاب .
لم يفلح في زحزحة الجدار الذي ارتفع بينهما ، وظل يحدق في عينيها اللتين فقدتا بريقهما وصار عسلهما الوهاج ، ماء راكدا عكرا !
لم تكن مصر كلها في حال أفضل من أنور ، ففي كل ليلة يؤكد النشار أن الحرب مع إسرائيل آتية لا محالة !
ووجد نفسه يميل على أذنه ويسأله :
- بالنسبة لي يا حاج محمد ، لو قامت حرب ممكن يستدعوني ؟
- طبعا ، انت على ذمة الجيش يعنى رديف لمدة تلات سنين .
اهتز قلبه كما يهتز القرد الذي أهداه لي ، وبدأ يضع أذنه على الراديو الصغير ويسمع لندن .
كانت إسرائيل قد أسقطت في 7 ابريل سنة 1967 ست طائرات سورية من طراز ميج 21 ، وزار الفريق فوزي سوريا لإثبات التضامن ، وحشدت مصر قواتها تجاه الشرق .
وسط هذه الدوامة ، تلقى أنور عرضا من شقيق زوجته لافتتاح صالون خاص يهما !
استغرقه الإعداد والتجهيز والافتتاح ، فلم ينتبه لما كان يسطر له في كتاب القدر . وهذا ما نشير إليه بإذن الله في الحلقة التاسعة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة التاسعة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:07 pm

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة التاسعة
الصالون الجديد الذي افتتحه أنور وصهره ، يخطف الأبصار . كل شئ فيه يلمع :
الجدران المطلية بالزيت ، والمرايا المتعددة تعرض الزبون من شتى الزوايا ، والمقعدان المكسوان بالجلد الأسود ، يدوران في جميع الاتجاهات على محورين !والدكتان الجديدتان الصفراوان ، لجلوس المنتظرين !
المرآة الرئيسية في الوسط ، أمامها صوان أبيض ملئ بالأدراج ، والأبواب والأرفف .
على إفريزه الرئيسي ، زجاجات وعلب وأدوات حلاقة تفوح منها رائحة زاعقة . الراديو الصغير موضوع وسطها .
يستيقظ أنور مبكرا ، لأن صهره يعمل تومرجيا في مطوبس ، ويختص بالفترة المسائية !
تكون أذناه مع الراديو ، بينما يرتعش من الداخل لأن النشار أفهمه أنه على قوة الرديف !
تمنى أن تزول الغمة ويتوصل هؤلاء إلى حل !
يكفيه ما يعانى في البيت : زوجته المصدومة في خصوبتها ، و أبوه الذي لا يكف عن طلب النقود ، وأمه التي ما كادت تهدأ لقدومه ، حتى عاودها الوسواس القهرى من أجل ثلاث بنات لم يطرق بابهن أحد !
الراديو لا يتوقف عن ولادة الأخبار المزعجة ! فالعم حمدان في حديثه اليومي بإذاعة إسرائيل ، يهدد العرب جميعا ، ويفضح حكامهم الخونة العملاء !
بينما تقول إذاعة لندن إن مندوب سوريا في الأمم المتحدة قدم كتابا إلى مجلس الأمن أكد فيه إن إسرائيل تعد للهجوم على بلاده!
في اليوم ذاته طلبت مصر سحب قوات الطوارئ الدولية من جانبها ، حيث لا توجد مثلها على الجانب الاسرائيلى !
في جامع المرشدى كان الناس يعولون كثيرا على عبد الناصر ! تركوا له مصيرهم يحركه كيف يشاء !
تخيلوا إسرائيل مثل أعراب قرية المحضر ، حيث يهاجمون قواربهم ويطلقون النار على من يقترب!
غاية ما يعرفونه أن لديها رجلا أعور ، ماكرا اسمه موشى ديان ، يكره مصر ويتحرش بها !
في نهاية حديثهم الطويل قال كبيرهم :
- جمال هيعلمهم الأدب .
الأسطى عبد الونيس والحاج محمد النشار والحاج عبد الحي سلطان كانوا متشائمين .
إسرائيل جزء من الغرب ولن يسمح بهزيمتها ! رواد السوق ودكان أبو طبيخ بزعامة المعلم عياد ، كانوا أكثر حماسة . اعتقدوا أن مصر قادرة على محو تلك الدويلة السرطانية من الوجود .
في مركز الشباب برئاسة المرحوم الأستاذ فهمي الصباغ ، نشطت حركة تجهز اللافتات ، وتكتب على الجدران : تسقط الصهيونية . لا للعدوان على سوريا . إلى تل أبيب يا ناصر . كلنا فداء الوطن .
الشيخ حامد شمس الدين خصص خطب الجمعة لتفصيل الصراع بين اليهود من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع والنبي صلى الله عليه وسلم .
لم يعد حديث في المقاهي والدكاكين والجوامع سوى عن الحرب المحتملة ، والحزن الذي ينتظر القرية !
لكنها أحاديث لاستهلاك الوقت ، فلا شئ يمكنهم فعله ، ولا أحد يطلب رأيهم أو مشورتهم !
لديهم شقاء البحيرة ، والغيطان ، واطعام الأفواه المتلهفة ، وتزويج البنات والصبيان ، وتوفير ثمن الدخان !سيظل تنازعهم من اجل الأنفار ومناطق النفوذ والمدارى والحباسات ، ولن يملوا من مضغ الفضائح والخيانة ،
سوف يذهب التلاميذ كعادتهم كل صباح إلى المدرسة الابتدائية والإعدادية ، وفى المساء يذاكرون ويتسلل قليل منهم إلى الدروس الخصوصية التي ابتكرها الأستاذ مصطفى بلال
مدرس اللغة الانجليزية . قلده بعد ذلك الأستاذ الباشا وفتحي النحاس ومحمدي نعينع وفهمي الصباغ . وسوف تقام الأفراح وحفلات الختان وعقد القران وليالي الله ، كما سيموت الكثيرون من الرجال والنساء ، وتقام المآتم في بيت عطا الله ، يحييها غالبا الشيخ فتح الله سلام !
سيستمر الزوار في القدوم يوم الثلاثاء لزيارة المرشدى ، والتخفف أمام الضريح من الكبت والإحباط ! ولن يكف الناس عن الذهاب إلى مطوبس لأتفه الأسباب ! وسيظل بكر الرشيدي يفرش بالبصل والبطاطس أمام سيدي حمادة،ولن تمل النسوة من التشاجر على الحنفية ، إلى حد جذب الحلقان وقطع الآذان والتنابذ بفحش القول ! وستبقى زوجة أنور حبيسة غرفتها ، لا تكاد تأكل ولا تتحدث .
هدوء يسبق العاصفة ، لكن قليلين فقط هم من يتوقعونها وينتظرونها .
تمضى الأيام متشابهة ، تنام منية المرشد وتصحو على نفس الأصوات والمناظر ، قلب أنور يثب بين ضلوعه ، هل يترك زوجته الواجمة ، وصالونه الجديد ويذهب إلى المجهول ؟
لا يدرى لم قصد إلى ستديو تكتك بمطوبس. جلس أمام المصور العجوز الذي لم يره أحد شابا أبدا ، كأنه الممثل العجوز دائما عبد الوارث عصر !
التقط له الصورة بعد أن طالبه بالابتسام فاختلس واحدة .
ادخل يده المدربة في دائرة من قماش اسود بمقدمة الماكينة . ظل يحركها يمينا ويسارا حتى خرجت النيجاتيف التي يسميها العفريتة ، ملامحها مخيفة مقبضه !
أمسكها بإبهامه وسبابته وأعادها إلى الماكينة العتيقة ليعيد تصويرها ، ثم وضعها في محلول التحميض.
عرج على محل البراويز فاختار إطارا مذهبا . استقرت الصورة الكبيرة فوق رأسه حين يحلق للزبائن ، وتعجب من نظرة الحزن التي راوغته رغم الابتسامة !
في القاهرة التي نسميها مصر ، ربما لأن كل شئون مصر تبرم فيها ، وتأتى جاهزة لننفذها !كان عبد الناصر يطمئن من المشير عامر على جاهزية القوات المسلحة .
فيجئ الرد التقليدي :
- كله تمام يا أفندم .
على الجانب الاسرائيلى ، قامت الحكومة باستدعاء خمس فرق من الاحتياطي ، رابطت في صحراء النقب بجوار سيناء . ردت القاهرة بإعلان التعبئة العامة ، وأغلقت خليج العقبة في وجه السفن التي تحمل العلم الاسرائيلى في 22مايو عام 1967.
في هذا الصيف الساخن ، كان الطلاب والموظفون القلائل يجلسون في السوق إلى ساعة متأخرة من الليل ، يرتدون بيجامات قصيرة الأكمام وجلاليب بيضاء .
يدور الحديث حول نذر الحرب فيما تسيل من الراديوهات المتباعدة أغان وطنية تشدو بها أم كلثوم وعبد الحليم ، يتذكرون حرب 1956 التي أدت إلى تدمير مدن القناة ، ولولا الإنذار الروسي ما كانت الدول الكبرى تراجعت قبل تدمير مصر تماما . كان وكيل النيابة محمد مرشدي بركات يلم بهذه الجلسات بين الفينة والفينة ، وكان من كبار المثقفين ، يراسل العقاد ومحمد زكى عبد القادر ، وتنشر له بعض المقالات الرصينة .كذلك الأستاذ فهمي الصباغ والأستاذ وهبي أبو طاحون والأستاذ أمير الحلبي والأستاذ محمود أبو طبيخ والشيخان : رمضان القاضي ورزق قنيطروالاسطى عبده زكى درويش .
مضى الأسبوع الأخير من مايو على مضض ، وقام الأستاذ عبد الحكيم أبو علام ناظر المدرسة الابتدائية بتصميم نموذجين لصاروخى الظافر والقاهر . جاء المعلم محمد حامد النجار فأخرجهما إلى الوجود بخشب الابلكاج الأزرق . وقف الصاروخان في مدخل المدرسة رمزا للعزة والكرامة ، وكتب الناظر فئ قمة المدخل بخطه الجميل الثلث :
حقق المعجزات عزم جمال فاحمدوا الله أن حباكم جمالا
عاد أنور من الصالون بعد منتصف الليل . كان معه عجينة طعمية من المعلم فتوح وثلاث بيضات .
وجد أمه جالسة في الصالة على غير العادة ، حين رأته قالت بصوت متحشرج :
- مراتك غضبت . أمها خدتها وقالت هدور على بنتي مادام محدش مدور عليها !
جلس بجوارها على الحصيرة ، وتراخت يده فسقطت العجينة والبيض ، ودخل في نوبة بكاء اهتز لها سائر جسده النحيل ! أما ما جرى فيما بعد فسوف نعرفه في الحلقة العاشرة والأخيرة بإذن الله .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة العاشرة والأخيرة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 11:10 pm

مأساة أنور ابن عمتي /الحلقة العاشرة والأخيرة
لم يكن كل شئ في مصر على مايرام ، كما أكد عامر لعبد الناصر !
أفقنا على ضربة مفاجئة ، قطعت ذراع الجيش الطويلة ، فصار كالطائر الذي جز ريشه !
فتح الزعيم عينيه على واقع أليم ، لكن الوقت مضى ، ولا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب .
دفع أنور وآلاف مثله ، في قرى ومدن مصر ، ثمن حماقة الكبار!
أخذه الخفراء في منتصف الليل ، لم يتركوا له فرصة ليودع أمه ، أو يلقى نظرة على صالونه الجديد ، وزوجته الغضبى !
استطاع ، قبل أن يحشروه مع آخرين في البوكس ، أن يرسل نظرة حارة إلى سطح بيتها .
هناك وقف ذات ليلة يختلج من المتعة ، واستراحت يده في يدها ، وانداحت ضحكتها المبهجة في نفسه كقطعة حلوى شهية !
اندفع البوكس ، يفصله عن حياته ، ويمرق به بعيدا .
تترى أمام عينيه بلاد نائمة ، وقليل من مدمني السهر ، يعودون إلى مخادعهم .
ثمة حبيبات ينتظرنهم ، وأوقات كالفاكهة الغضة .
هل يعود مرة أخرى ، ويرى تلك البلاد في طريقه إلى منية المرشد ؟
انقبض قلبه!
تخيل وقع الصدمة على زوجته عندما يصلها خبر رحيله !
لو امتلك دقائق لذهب إليها ، أو لطلب من أبى أن يعيدها !
في الصباح ، سرح الفلاحون إلى حقولهم يستحثون البهائم أن تسرع . وسرح الصيادون إلى البحيرة ، بينما بقى العجائز والعاطلون في المسجد والمقهى يثرثرون !
وكانت الراديوهات تهدر بأغنيات النصر ، وفى مركز الشباب جلس المتعلمون يصغون ، وكلما سقطت للعدو طائرة يهللون وقوفا ، ثم يعودون إلى الإصغاء .
مع انكسار الوهج ساروا بمظاهرة تهتف :
- يسقط موشى ديان ، تحيا مصر ، النصر لنا .
عادت عمتي إلى الجلوس وراء الباب ، كتلة لحم مليئة بالأسى . رأسها بين يديها ، لا تكاد تشعر بوجود النسوة من حولها !
لم تفرح هذه الدار إلا أياما معدودات ، عاد إليها الحزن منتصرا ، وتجول فئ كل مكان فيها ، مبتسما وسعيدا .
البنات يتحركن متثاقلات ، والأب لا يسمح بإظهار مشاعره !
الزوجة علمت في الصباح ، فصعدت على السطح وبكت بمرارة ، في نفس البقعة التي التقته فيها لأول مرة !
همست لأمها :
- الواجب أروح أقعد هناك لحد ما يرجع !
لكن أمها رفضت :
- هتقعدى مع مين ؟ نروح نزور بس ونرجع .
عندما دخلت البيت ، صاحت أمه صيحة ألم ، انتزعت الدموع من العيون ، وحاولت الزوجة احتضانها ، فراغت منها وأشاحت بوجهها !
مضى الوقت قاتلا ، ليس فيه سوى همسات مشبوبة .
في النهاية خرجت مع أمها ، كما خرجت جليلة بنت مرة من
مأتم كليب ! لم تدخل حتى غرفتها أو تتفقد أغراضها .
كانت المرة الأخيرة التي تطأ قدماها المنزل ، لأن زوجها لم يعد أبدا .
النشار يحلق ذقنه صامتا ، لعله من القلائل الذين أدركوا حجم الفاجعة .
ظل واجما يستمع إلى الأكاذيب والمهرجانات ، بينما معلوماته تؤكد الهزيمة ، بل واقتراب اليهود من القاهرة .
وعقب انتهاء الأيام الستة ، انجلى الضباب ، ودللت الحكومة وأجهزتها الهزيمة باسم النكسة !
وتنحى الزعيم ، لم يقل انه يضع نفسه رهن المحاكمة ، بل قال انه سيعود إلى صفوف الجماهير !
خرج الشعب العاطفي ليطالبه بالبقاء .
لا أحد يفهم طبيعة لغز المصريين !
تمر الأيام أثقل من الرصاص . لا يبقى لعمتي سوى االفجيعة والدموع ، ربما هما كل نصيبها من الدنيا !
ظل أبى مداوما على زيارتها في المساء ، ليس بيده خطاب يبل ريقها ، بل مجرد كلمات مغلفة بالأمل الشاحب !
ومنية المرشد كالآلة الدائرة ، لا تهتم بأحد ، ولا تعرف شيئا عن الصراع العربي الاسرائيلى . ستدور الليالي ، ويعود بعض الجنود ، مرضى ممزقي الملابس ليهمسوا بما رأوه من فظائع !
لا يمكن للمصري أن يتخلى عن طبيعته في ادعاء المعرفة ، فقد قال أحدهم إن أنور كان بجواره ، ثم اندفعت دانة فاجتثت رأسه ، كما يجتث المنجل أعواد الأرز !
ظل يجرى من حلاوة الروح بلا رأس ، حتى اصطدم بالجبل وسقط .
ولا ينهى الزميل روايته قبل أن يشرح كيف دفنه بيده وبلل قبره بالدموع !
زميل آخر رفض تلك الرواية ، وأقسم أنه كان ملاصقا له ، وأن النابالم صهره مع عديد من الرجال ، فصاروا بركة مياه فوقها بعض الدهون !
سمع أبوه ، وأخواله ، وشقيقه ، حتى شقيقاته وصلهن الهمس ، لكن أحدا لم يجرؤ على البوح أمام أمه !
سقط الجدار بوصول خطاب الاستشهاد من القوات المسلحة !ّ وسقطت معه السيدة المهيضة فاقدة الوعي .
لم يعد بد من الصراخ وارتداء السواد ونصب العزاء .
امرأة جميلة هناك على الجسر ، وصلها الخبر ، فصعدت إلى السطح وبكت حتى صارت عيناها كأسين من دم .
رجع المسنون في الجامع والجالسون في المقاهي والدكاكين يخمنون الأموال التي ستحصل عليها الأسرة المنكوبة . ارتفعت التقديرات كثيرا عن المرة الأولى الخاصة باليمن !
واضطر أبى أن يحمل عمتي حملا حتى السيارة لتذهب إلى السجلات العسكرية بكفر الشيخ !
الولد الذي كان زميلي في الصف الأول الاعدادى ، هبطت عليه الثروة .
ترك المدرسة ليقف مكان أنور ، الذى لم يتيق منه سوى صورة فوق رأسه بابتسامة مختلسة ، التقطها له تكتك !
لم يمض وقت طويل حتى هدم البيت وأقامه بالمسلح وتزوج !أبوه لم يعد يتحمل فرقد شهورا ثم مات .
شقيقات الشهيد وجدن عرسانا ، دبوا إليهن طمعا في الميراث ، وزوجته أكملت العدة على مضض وتزوجت موظفا كبيرا .
أمه فقط ،ظلت تذكره ، وتقسم أنه يأتيها ليلا ، يحدثها ويضحكها حتى الفجر .
في إحدى ليالي الشتاء جاءها وصمم أن يصحبها معه ، ثم مضيا !
خطف الزمن منية المرشد ، فنسيت شهداءها ضمن ما نسيت من أشياء كثيرة مثل :
تسلل عائلات وضيعة إلى عائلة الباشا مستغلة تشابه الأسماء ، وشموخ أفرادها على خلق الله بلا مبرر. فليس فيهم من يملك عمارة أو سيارة فارهة
أومصنعا ومزرعة .
أقصى ما يملكون قراريط معدودة و دراجات نارية ، وجلاليب بأكمام واسعة ، وديون مكدسة في بنك التنمية والائتمان الزراعي !
امتلأت القرية بالكراهية ، وطلقت الحب والتراحم ،وأدمنت النميمة والانتقاص من قدر الآخرين ! لم تعد تتجمع إلا في مشاجرة أومصيبة أو وراء مرشح غريب ، يحقق مصالح البعض !
أفراحها صارت حفلات للمخدرات ، ومآتمها أصبحت صلبا للميت بالساعات في الجامع ! تكره الضعيف وتنحاز الى القوى ، الحق فيها غريب لا أقارب له !
من يذكر أنور الشهيد الآن ؟
وهل كان الوقت مناسبا للحديث عنه ؟
لم يكن مناسبا أبدا، لكن ماذا أفعل حيال روحه التي تدور حولي ،وتدعونى أن اكتب عن صاحبها ؟
ها قد فعلت ، فهل تأثرت قلوب وضمائر ؟
أتمنى فقط أن تحركوا شفاهكم بالدعاء لهذا الجندي الراقد في التيه كي يهدأ ويستريح ، مع تحياتي .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مأساة أنور ابن عمتى !

مُساهمة من طرف أحمد12182 في الإثنين فبراير 08, 2016 12:28 am

كلمات رائعة ...وفى النهاية رحم الله الشهيد رحمة واسعة .

أحمد12182

المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 08/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مأساة أنور ابن عمتى !

مُساهمة من طرف أحمد12182 في الإثنين فبراير 08, 2016 12:30 am

أنا أحمد صاحب : المرأة التى كانت تقود الجرار الزراعى ....مع خالص تحياتى للاديب الكبير |سمير بك المنزلاوى .

أحمد12182

المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 08/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اهلا بك فى العزبة

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الإثنين فبراير 08, 2016 9:18 am

مرحبا بك اخى احمد فى العزبة وفى انتظار قصتك عن المرأة التى تقود الجرار

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى