شر البلية ( من مجموعة اللافتات 1984)

اذهب الى الأسفل

شر البلية ( من مجموعة اللافتات 1984)

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الثلاثاء فبراير 09, 2016 5:36 pm

شر البلية ( من مجموعة اللافتات 1984)
لم تحظ شخصية فى مركزنا وتوابعه ، مثلما حظى به الشيخ طلبه الصفتى قارئ القرآن الكريم ، من شهرة وصيت .
هو من ناحيته كان يؤمن تماما أنه يستحق هذا وزيادة : يكفى أنه الوحيد الذى يقرأ على السبعة ، علاوة على كونه حجة راسخة فى الحفظ والتجويد.
لولا الحظ النحس ، وانطفاء نور العينين ، أيام الجدرى لكان الآن متربعا على عرش الاذاعة والتليفزيون . أوليس معظم القارئين فيهما ، من تلاميذه الذين ألهب مؤخراتهم بعصاه؟ ولا تعجبه البتة طرائقهم فى الترتيل ، فيغلق فى وجوههم متحسرا . هو لا يرحم من يتهاون فى الأحكام . ليس ببعيد اشتباكه مع اذاعى شهير ، كان يقرأ فى مأتم العمدة . بدا ممتعضا ، غير راض عن التحطيم المتواصل للقواعد ، ثم اختلطت فى وجهه الألوان ، وارتعش وهب متحسسا طريقه الى المنصة فنحاه بالقوة !
العجيب أن غريمه جاء معتذرا على الملأ . وظلت الحادثة رصيدا يسحب منه ، فى تلك البلدة التى لا تفرق بين العجوة والطوب الأحمر.
بقى ثابتا لا يفرط فى كرامته ، رغم تغير الأحوال ، وانصراف الأولاد عن الكتاب الى المدارس . ظلت المآتم مورده الرئيسى ، يحرص عليه لدرجة تسقط أخبار المرضى ، وانتظار وفاتهم !
أشاع بسيونى الحلاق أن الشيخ طلبه بعد أن حلق شعره وذقنه ، قال له :
- خالك أبو الفتوح فى النزع الأخير ، بعد المأتم سأعطيك الحساب !
لم يلق بالا لما تناثر من أقاويل ، بل سار راضيا لا يشعر بالكارثة ! وقد جاءت سريعا حين قررالأهالى الغاء المآتم والاكتفاء بالعزاء على الجبانة .لا يمكن لأحد أن يحدد على وجه الدقة صاحب الاقتراح . المهم أنه لقى قبولا خرافيا . فالمآتم باتت عبئا ثقيلا ، حيث على أهل الميت حشو صف طويل من الأفواه بالمال : الشيخ طلبه ، صبيان الشادر ، مقدمى القهوة والشاى ، عامل مكبرات الصوت .
أحس بالوحدة الباردة ، حلم انه فى قارب مثقوب يبلله الماء وسط المحيط .هل هذه نهاية خادم القرآن ؟
جاء اليوم الذى أخفض رأسى و أتسول !!
زوجته تحاول التهوين من الأمر :
- لا أحد يموت جوعا ، كل عقدة لها حلال .
- دبرينى ، فعقلى أبيض ممسوح .
- ألم يجدوا غير المآتم ؟
- سأقرأ عليهم جميعا عدية يس .
خلع العمامة لتكون رأسه مكشوفة للسماء ، قرأ وهو يبكى .
ثم رفع يديه تهتزان :
- يا رب احرق قلب كل من قطع رزقى .
وجمت الزوجة حين دعا ابنه ، و أمره بشراء بنزين ! لم تستطع التدخل لأن وجهه امتلأ غيوما ، وبدا شخصا غريبا لا تعرفه! أعطت ابنها اناء من البلاستيك ، وجلست تنتظر . تطوع عقلها فورا لارباكها ، أوحى لها ان زوجها سينتحر حرقا !
لم تتحمل ، تغلبت على خوفها ، واستعدت لأى طارئ ، ثم أمسكت كتفيه تهزهما :
- هل تموت كافرا يا شيخ طلبه ؟
عيناه مفتوحتان على خواء ، لايمكنها استخدامهما فى الوصول الى أعماقه . ظلت تتكلم :
- لدينا مال نعيش منه ، يمكنك ان تستثمره فى مشروع .
لم يرد ، استند بيده اليمنى على الأرض وخرج الى الصالة . بعد قليل جاء الولد . وضع الاناء بين يديه . فاحت الرائحة النفاذة وملأت خلايا أنفه . وقفت ترمقه ، هب مرة ثانية ، اعتمد على كتف الصبى ، وأمره أن يحمل الاناء .
صرخت :
- ابنى .
- لا تفتحى فمك .
- إلى أين تأخذه ؟
- لن نذهب بعيدا ، اصمتى تماما .
الليل أقبل ، والأرجل خفت ، وكنا فى آخر الشهر ، ولا أثرللقمر . الولد يتعثر ، فتضغط عليه اليد الثقيلة العصبية .
- ادخل المقابر !
سارا فى مدقات نحيلة تفصل بين المقابر ، وكاد يسقط أكثر من مرة ، واختلطت رائحة البنزين برائحة النفايات و الأعشاب النامية .
- هل تعرف مقبرة على مرزوق الذى توفى أمس ، انك تتبع الجنائز دائما .
هز الولد رأسه ، انحرف عدة مرات ، وهو يسيربجواره يسمع دقات قلبه ، ويحس بسياط تلسع رأسه .
- ها هى المقبرة .
- اسكب البنزين فوقها . اسكب .
ناوله الثقاب :
- أشعل النار .
قفز من فوق الأرض على صرخة ابنه ، أدرك ان البنزين أصاب ملابسه ، فأمسكت به النيران!
تناول حفنة تراب وحارت يده فى الهواء ، اصطدم بجدار وتهاوى ، الولد يصرخ من شدة الألم ، وهو لا يستطيع أن يصل اليه ، زحف بعيدا عن اللفح ، يصرخ بصوته الذى طالما أيقظ النائمين . تصرخ أيضا الأم الملتاعة التى لحقت بهما تستطلع .هرول الناس بالمشاعل والكلوبات ، دارت معركة رهيبة مع جهنم التى احتلت المكان ، سحبوا الشيخ محترق الوجه والملابس ، أما الغلام فقد تفحم تماما .لم يحاول احد ان يستفسر ،لأنهم صنعوا في عقولهم افتراضا قريبا جدا مما حدث فى تلك الليلة.

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى