لا أين ولا كيف

اذهب الى الأسفل

لا أين ولا كيف

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الإثنين فبراير 08, 2016 2:28 pm

لا أين ولا كيف
تركتني أمي أمام القبرالمرمرى المتوهج في الشمس. فوقه يقيم إناء من صبار، ذو أزهار صفراء تتنفس عطرا قاسيا!لاصوت . ثمة فراشات تحوم ولا تهبط .
في الطواف الثاني انبثق رجل كأن الصحراء أنبتته لتوها . جاف طويل .
حاولت الفرار، فرفع عقيرته بالعويل الملتاع الذي يقطع نياط القلب. اقتربت وابتعدت في آن! وقلت في رعب حقيقي:
- كيف ظهرت و..؟
صاح صيحة منكرة اهتز لها الجدث، وربما من يرقد فيه أيضا. ثم خر صعقا لا خبر له عن نفسه.
لا نقطة ماء . ناديت أمي من الخباء فلم ترد. انتزعت زهرة صبار وقربتها من أنفه. أفاق وعاد يحاول الصياح . نهرته في شجاعة وهمية فيما تصطك ركبتاي وقلت :
- - ما هذا السخف؟
أشار إلى كتابة منمنمة في جانب القبر. ألصقت عيني بالحروف التي نجت من مقام المحو :
- ( جساس قتل كليب غدرا)
ناح ، فزجرته : - أمن أجل ناقة عجفاء؟
- - ناقة!
- - هذا ما قرأته في كتاب الأغاني
- - آه . وحق صمته الثقيل ، لو أكل كبدي وشرب دمى ونحر صبياني ما امتدت يدي نحوه بسوء!
- - زدني .
- - لله أتم معشر المتحذلقين .
- مضى يخب كالجمل الهائج ويردد الفضاء العريض صوته الفخم البائس:
- - لو رأيتني أغمد الرمح في ظهر العزيز ، ثم أذبحه و أتركه للعقبان!
الآن خرجت أمي من الخباء، بصحبتها جارية بيضاء، تترجرج كالزبد، في ثياب سوداء سابغة . سمعت امى تودعها وتقبلها ، ثم تباهت:
- - هذه صديقتي جليلة بنت مره!
- ******************
استأذنت أمي أن أرحل مع طلاب العلم إلى دار السلام فرفضت. قبلت قدميها وخرجت أبكى . نزلت بحرا من ظلام . تمر أمامي أشباح طلاب يحملون أخراج الكتب والطعام . فى عيونهم لمعة العلم ودهشته. على شفاههم بسمات الإشفاق.
ذهبت أبكى عند قبر أبى . غفوت . ولما أفقت وجدت رأسي على فخذ شاب أمرد . نفحنى أوراقا مكسوة بجلد عظاءة :
- - خذها عوضا عن الرحلة .
- - عرفتك من كتاب الفتوحات .
- - هات ما عندك.
- - انك في الأولى خرقتها ولا ماء ، ولا غرق. في الثالثة أقمت الجدار بلا ملاط ولا أجر. فما بال الثانية؟ أشار بيده فرأيتني و أنا هنا ...هناك! أعذب بالسياط حتى يتساقط لحم وجهي وصدرى وبطنى وعورتي و أطرافي ومخ عظامي و أخلاط دماغي .
- - أهونه ما ترى!
****************
في هدأة الليل ولواعجه وأشواقه ، فتحت الباب لأذاكر . أمي تغط في النوم . تتابع الطرق عنيفا على الباب فجعله ينبعج .
فتحت . في فراغه كهل بثياب من قصب ، وعمامة من حرير. ذكرتني رائحته برائحة زهر الصبار. اندفع إلى الداخل فرأى أمي نائمة ، لكن الخوف هزم الخجل .قال بتضرع:
_ أجرني من الخليفة.
قلت :
- عرفتك من كتاب ألف ليلة وليلة.
-أيقظت أمي لتعد الطعام وتباهيت:
- - هذا صديقي الربيع بن يونس!
حدق في الغرفة . وقعت عيناه على الحاسوب المغطى. كشفه بلا استئذان ودخل غرفة المحادثة .
كتب كثيرا فيما يأكل ، شربنا الشاي وغسلنا أيدينا وهتفت:
- - سيدي أنت في دارك : عينى زاد والأخرى ماء . خبرني فقط لماذا غضب عليك مولانا؟
- - حبا وكرامة ، لكن الوقت ضيق.
بكيت بدمع هتون ، وشرعت أنشد:
- ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا
وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت
وكنت أظنها لا تفرج
ما كدت انتهى من نظمى وانشادى حتى امتلأ البيت بجنود الربيع وجنود الخليفة المدججين.
صرخت أمي وجاوبتها نساء الشارع .
ارتفع الغبار وقعقع السلاح وسقط القتلى والجرحى.
أمام الباحة رأيت عشرات من مندوبي وكالات الأنباء والفضائيات .أحاطوا بى سريعا يستأذنوني في بدء البث المباشر!

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى