سيرة البلاد الجميلة فى رواية العراوى بقلم/سميرالمنزلاوى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سيرة البلاد الجميلة فى رواية العراوى بقلم/سميرالمنزلاوى

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الأحد فبراير 07, 2016 4:09 pm

تناول المؤرخون والجغرافيون منذ زمن طويل ، تقاويم البلدان بمعنى استقصاء أحوالها كالمواقع والتضاريس والتخوم والأنهار والبحار والغرائب والعجائب ! وأحوال قاطنيها ، من بشر وحيوان ونبات ووضعوا فيها مصنفات شتى .
من أمثلة تلك المحاولات : معجم البلدان لياقوت الحموي وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي والتحفة السنية في أسماء البلاد المصرية لابن الجيعان وقوانين الدواوين لابن مماتي والخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك والقاموس الجغرافي لمحمد رمزي.
تبقى سير القرى والعزب والكفور والمدن في تلك المصنفات جهدا علميا يستخدم منهجا عقليا للبحث ، لكنه يظل بعيدا عن لمسة الفن السحرية !
وهاهو خيري شلبي يكتب سيرة بلاده على هيئة رواية باذخة ، تحيى الجماد بلمساته السحرية وتنفخ في الأشخاص الفقراء المهمشين ، فإذا هم عباقرة مسكونون بالحنين والشغف ، تنبع من أعماقهم الحياة ، عذبة رقراقة ، تغرى بالبقاء والاستمتاع !
هي إذن رواية باذخة لأنها تبدو كبناء معماري متماسك ، طبقاته البلاد والعباد والمخلوقات والجمادات ، وثمة تفاعل بين المكونات الهائلة لتلك التحفة الفنية ، تتفاعل طول الوقت كالخميرة في العجين ، فيربو ويهتز ويملأ الإناء .
ولأن شخصياتها حية من لحم ودم ، يلعب كل منها دور البطولة ، وينثر عبقريته البسيطة والمؤثرة على طول الفصول .
ولأن لغتها بسيطة رقراقة مشحونة بالفن والعناء والسحر ، وبين كل مفردة وأختها علاقة حب وحنين وشجن .
تتفاعل مكونات الرواية طول الوقت ، فتمنح بهاء لاينتهى وتظل في تدفق درامي سحري لا ينتهي .
نفخ خيري شلبي في الترع فصارت ينابيع للحوريات ، وفى الدور الجهمة الرطبة فأصبحت عمائر من فرح تجرى فيها الحياة رخية سهلة هانئة .
ورغم التفاصيل الدقيقة المتراكمة والشخصيات العديدة والأحداث المتشابكة ، فان القراءة تمضى منسابة كالماء ، ممتعة كاستحلاب السكر وقضم الفاكهة الغضة !
لا مكان للملل طول رحلة صانع عراوى البلاد ، ليدخلها في أزرارها ويحبكها على جسد الزمام كله .
تحتاج العراوى إلى يد خبيرة تحيك الغرز حولها بحرص وتؤدة ، فتستقيم متماسكة مستعدة للقيام بدورها .
قد يتساءل القارئ في نهاية الرحلة الجميلة :
كيف تمكن الروائي من القبض على كل تلك الخيوط الدقيقة ولم تتعقد أو تختلط في يديه ؟
انه حبه الجارف لموطنه ، والبلاد المتناثرة حوله كالعنقود !
وفى الفصل الأول المسمى بالخميرة ، تبلغ قوة التخييل درجة تشم معها تلك الخميرة المحشورة في كل شئ والتي تسمى ( أبو سماعين )، وتتصور ملامحه وصفاته بكل وضوح ، كأنك من أبناء تلك القرى ، وعشت حياتك معه وصحبته في تنقلاته وتعليقاته :
( فأنت عارف وأنا عارف والجميع عارف أن أبو سماعين لا يحس بحركة كرم تتخذ معه حتى يبادر باستغلالها في الحال على نحو غريب ، إذ يندفع في صياح شجي كأنه يبتهل إلى الله بأوراد وصلوات غامضة وهو في الواقع يمتدحك ويثنى على أصلك الطيب الذي من المؤكد أنه لا يعرف شيئا عنه ، ويدعو لك الدعوات الحارة ، فيما تكون قد ارتسمت على وجهه حركة انتظار واجفة زاعقة مستميتة تكاد تقول لك : ما تهرش بقى وتخلصني ، ايدك على الحسنة )
هكذا خلق البطل من بساطة وذكاء وحيوية . بطل لعمل ضخم ، ولكنه ليس بطلا اسطوريا ، قادرا على الإتيان بالمعجزات . هو رجل من الفقراء الذين يمدون أيديهم للصدقة ، لكنه لا يحتقر نفسه ن ولا يتهاون في حقها .
انه طراز فريد وعروة وثقي في نسيج العمل الفني : شحاذ رقيق الحال ، وفى نفس الوقت مدمن أفيون ، وعبقري في السمر واللمة ، وخبير بالأنساب ، وكتابة المظالم وتحريك الأحداث !
هذه المغامرة الكبرى المحفوفة بالتناقض والمخاطر ، تصبح عجينة طيعة في يد خيري شلبي ، يشكلها بأشكال متعاقبة ، كالساحر الذي يلعب بالبيضة والحجر ، فلا الحجر يدرك البيضة فيهشمها ، ولا أبو سماعين يخرج من المعادلة لفقره ومد يده ، بل يظل محترما ، مطلوبا ، وهذه هي المعادلة الصعبة .

يتابع الكاتب خطوات أبوسماعين ، الذي يسكن العالم كله ، فنراه ينقل قدميه بين حي الخمارة وبين عزبة أخرى ملاصقة هي عزبة العبيد .
وفى غمرة شوق المؤلف لعالمه ، يتفنن في إرجاع أسماء البلاد والعزب إلى أسباب فنية ، تحرك القلب وتسعد النفس .
فعلى غرار دولة ليبريا التي أسسها الزنوج العائدين من أمريكا ، يؤسس بعض عبيد الإقطاعيين وأولادهم عزبة جديدة ، يسودها اللون الأسود ، ليطلق عليها الجيران : عزبة العبيد .
ولا يكاد الأمر يختلف من عزبة إلى عزبة ، فهي مجرة واحدة ، لها نفس التركيب ،وان اختلفت التفاصيل .
في عزبة العبيد يظهر من بعيد قصر أبو سيف العمدة في حي الخمارة ، لكن العزبة ليس بها قصور ولا عمد ولا أثرياء .
هل يتركها الكاتب هكذا خالية من السحر؟
كلا بالطبع ، فلابد من خلق شخصية نظمية المهدية ( لاحظ التشابه بين اسمها واسم منيرة المهدية ) !
وهى مغنية خطيرة الصوت ، تحيى الأفراح والليالي الملاح في مساحة كبيرة . يذهب أبو سماعين ليراها ، حيث تعشقه بكل ما فيه من ضعف وقوة ، بل ويشاع أنها ترتجل أغان له خصيصا !
وفى فاصل رائع من الوصف الذي يتقنه خيري شلبي
يتابع رحلة أبو سماعين مخترقا العزب المتلاصقة ! :
( الكل يشتهى نظيمة لكنها –فيما يقال – لا يشتهى سوى أبوسماعين المعفن ، ولا يدرى أحد كيف تحتمل عفونته .يؤكدون أن الأفيون يعمل عمايله ، فينسيها مظهره ومخبره وأنها تحبه بعبله ........في عزبة العبيد يبيع أبوسماعين حصيلته من الشحاذة ثم ينطلق مجرجرا ساقيه في سرعة ولهوجة ، يعدل التلفيعة مجهولة العمر لا تنفك عن رقبته صيفا أو شتاء . ) .
ينتقل إلى عزبة صباح ليقابل السيد الشيال بائع الأفيون ويشترى ما يكفيه من الإبداع والسلطنة !
الأفيون يتواجد بكثرة في الرواية ، دائم الحضور في القعدات والقفشات ، وهو إحدى المتع القليلة ، كالشاي الثقيل والنكتة والحكاية والفضيحة .
تنتهي الجولة في عزبة العلمين ، ليجلس الرجل العجيب أبو اسماعين ويشرب الشاي ويمضغ الأفيون في محل سعد الله الخياط ، ثمة يجالس الصبي المتفتح صانع العراوى ، ويحكى له عن تأسيس القرى ، وكيف أن شباس الشهداء سميت كذلك لأن الرومان أرادوا تغيير مذهب المسيحيين فيها فرفضوا ، ولذا قاموا بقتل معظمهم فصارت بلدهم بلد الشهداء !
أما البلدة الكبيرة شباس عمير فان تسميتها ترجع إلى نزول عمير بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إليها !
تتميز رواية العراوى بالمفاجأة في كل صفحة . فعلى حين غرة تنبت شخصية جديدة يحتاجها السياق . كأنها كانت تتخلق في رحم الرواية لتخرج في الوقت المناسب ، وهى تخرج مكتملة كاملة الأهلية ، قادرة على إثبات وجودها كأنها شهدت كل التطورات الدرامية السابقة !
يرسم الكاتب شخصياته الجديدة بدهشة عظيمة وحرفية كبيرة ، تعوض غيابها منذ البداية ، وينجح في ربطها بالشخصيات الأخرى فلا تجد غضاضة في إلحاقها ببنية النص الأصلية .
منذ اللحظة الأولى لولادة الشخصية ، تندمج في دورها وتلتحم بالشخصيات الأخرى ، ومن تلك الشخصيات الفذة المرسومة ببراعة ، شخصية زاطا .
هي شخصية ترمى إلى السخرية من تلك العائلات الكبرى المهيمنة في الريف المصري ، والتي لحرصها على التزاوج من داخل العائلة لحفظ الثروة ، ينتج أحيانا أبناء حمقى ، تحميهم أرضهم من السعي والاختلاط ، فتبقى حبيسة السراي الواسعة ، تعيش في عالمها وتتصرف كما يحلو لها :
( وقور ، أبيض البشرة ، يبدو على وجهه الصلاح والشر معا ، يتجمعان في لمعة عين واحدة تروح وتجئ تحت جفنيه . يرتدى جلبابا نظيفا وطربوشا فاقع الاحمرار. يمسك بيده عصا من الأبنوس على شكل امرأة جميلة يقال إنها ترمز إلى الدنيا ، وأنه تبعا لذلك يمسك الدنيا في يده ليطوح بها كما يشاء . كان يطوح بعصاه في الهواء تارة وفوق ظهورنا تارة أخرى، وبيده الأخرى يقذف علينا كل ما تصل إليه يده من دبش أو زلط ولا يفتأ يصيح : زاطه زاطه ولم نكن نفهم معنى زاطه هذه ، ولكننا سمينا الرجل زاطه ، فلحقه الاسم طول حياته . ).
تستمر سيرة البلاد الجميلة ،يحكيها روائي عليم ، قرأ وبحث ودرس وعشق . أحيانا تشيع نبرة سخرية من الناس والأماكن والوقائع ، وتتطور إلى الكاريكاتورية ، فينتزع ابتسامة ربما تتسع وتصبح ضحكة ثم قهقهة !
إنها سخرية موجبة ، لا تتعالى أو تسمو فوق المواقف ، لكنها سخرية المصري مما يضايقه دون إسفاف .
وإذا كان لابد من ملاحظة لأن الكمال لله وحده ، فان الإغراق في الحكى والاهتمام بآلاف الحوادث وتكرار بعض المواقف ، ربما يعيق التلقي للقارئ العادي ، وربما لو شذب خيري شلبي عمله الكبير قليلا ، وأزال منه تلك الأغصان الزائدة التي أرهقته وأرهقت قارئه ، لكان خيرا له ولنا !
مع ذلك تقف رواية العراوى إلى جوار شوامخ الأدب المحلى والعالمي ، ويقف خيري شلبي ندا لكل الحكائين العظام الذين خلقوا عوالم لا تنتهي من المتعة واللذة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيرة البلاد الجميلة فى رواية العراوى بقلم/سميرالمنزلاوى

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الإثنين فبراير 22, 2016 2:54 pm

samir elmanzlawy كتب:تناول المؤرخون والجغرافيون منذ زمن طويل ، تقاويم البلدان بمعنى استقصاء أحوالها كالمواقع والتضاريس والتخوم والأنهار والبحار والغرائب والعجائب ! وأحوال قاطنيها ، من بشر وحيوان ونبات ووضعوا فيها مصنفات شتى .
من أمثلة تلك المحاولات : معجم البلدان لياقوت الحموي وأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي والتحفة السنية في أسماء البلاد المصرية لابن الجيعان وقوانين الدواوين لابن مماتي والخطط التوفيقية لعلى باشا مبارك والقاموس الجغرافي لمحمد رمزي.
تبقى سير القرى والعزب والكفور والمدن في تلك المصنفات جهدا علميا يستخدم منهجا عقليا للبحث ، لكنه يظل بعيدا عن لمسة الفن السحرية !
وهاهو خيري شلبي يكتب سيرة بلاده على هيئة رواية باذخة ، تحيى الجماد بلمساته السحرية وتنفخ في الأشخاص الفقراء المهمشين ، فإذا هم عباقرة مسكونون بالحنين والشغف ، تنبع من أعماقهم الحياة ، عذبة رقراقة ، تغرى بالبقاء والاستمتاع !
هي إذن رواية باذخة لأنها تبدو كبناء معماري متماسك ، طبقاته البلاد والعباد والمخلوقات والجمادات ، وثمة تفاعل بين المكونات الهائلة لتلك التحفة الفنية ، تتفاعل طول الوقت كالخميرة في العجين ، فيربو ويهتز ويملأ الإناء .
ولأن شخصياتها حية من لحم ودم ، يلعب كل منها دور البطولة ، وينثر عبقريته البسيطة والمؤثرة على طول الفصول .
ولأن لغتها بسيطة رقراقة مشحونة بالفن والعناء والسحر ، وبين كل مفردة وأختها علاقة حب وحنين وشجن .
تتفاعل مكونات الرواية طول الوقت ، فتمنح بهاء لاينتهى وتظل في تدفق درامي سحري لا ينتهي .
نفخ خيري شلبي في الترع فصارت ينابيع للحوريات ، وفى الدور الجهمة الرطبة فأصبحت عمائر من فرح تجرى فيها الحياة رخية سهلة هانئة .
ورغم التفاصيل الدقيقة المتراكمة والشخصيات العديدة والأحداث المتشابكة ، فان القراءة تمضى منسابة كالماء ، ممتعة كاستحلاب السكر وقضم الفاكهة الغضة !
لا مكان للملل طول رحلة صانع عراوى البلاد ، ليدخلها في أزرارها ويحبكها على جسد الزمام كله .
تحتاج العراوى إلى يد خبيرة تحيك الغرز حولها بحرص وتؤدة ، فتستقيم متماسكة مستعدة للقيام بدورها .
قد يتساءل القارئ في نهاية الرحلة الجميلة :
كيف تمكن الروائي من القبض على كل تلك الخيوط الدقيقة ولم تتعقد أو تختلط في يديه ؟
انه حبه الجارف لموطنه ، والبلاد المتناثرة حوله كالعنقود !
وفى الفصل الأول المسمى بالخميرة ، تبلغ قوة التخييل درجة تشم معها تلك الخميرة المحشورة في كل شئ والتي تسمى ( أبو سماعين )، وتتصور ملامحه وصفاته بكل وضوح ، كأنك من أبناء تلك القرى ، وعشت حياتك معه وصحبته في تنقلاته وتعليقاته :
( فأنت عارف وأنا عارف والجميع عارف أن أبو سماعين لا يحس بحركة كرم تتخذ معه حتى يبادر باستغلالها في الحال على نحو غريب ، إذ يندفع في صياح شجي كأنه يبتهل إلى الله بأوراد وصلوات غامضة وهو في الواقع يمتدحك ويثنى على أصلك الطيب الذي من المؤكد أنه لا يعرف شيئا عنه ، ويدعو لك الدعوات الحارة ، فيما تكون قد ارتسمت على وجهه حركة انتظار واجفة زاعقة مستميتة تكاد تقول لك : ما تهرش بقى وتخلصني ، ايدك على الحسنة )
هكذا خلق البطل من بساطة وذكاء وحيوية . بطل لعمل ضخم ، ولكنه ليس بطلا اسطوريا ، قادرا على الإتيان بالمعجزات . هو رجل من الفقراء الذين يمدون أيديهم للصدقة ، لكنه لا يحتقر نفسه ن ولا يتهاون في حقها .
انه طراز فريد وعروة وثقي في نسيج العمل الفني : شحاذ رقيق الحال ، وفى نفس الوقت مدمن أفيون ، وعبقري في السمر واللمة ، وخبير بالأنساب ، وكتابة المظالم وتحريك الأحداث !
هذه المغامرة الكبرى المحفوفة بالتناقض والمخاطر ، تصبح عجينة طيعة في يد خيري شلبي ، يشكلها بأشكال متعاقبة ، كالساحر الذي يلعب بالبيضة والحجر ، فلا الحجر يدرك البيضة فيهشمها ، ولا أبو سماعين يخرج من المعادلة لفقره ومد يده ، بل يظل محترما ، مطلوبا ، وهذه هي المعادلة الصعبة .

يتابع الكاتب خطوات أبوسماعين ، الذي يسكن العالم كله ، فنراه ينقل قدميه بين حي الخمارة وبين عزبة أخرى ملاصقة هي عزبة العبيد .
وفى غمرة شوق المؤلف لعالمه ، يتفنن في إرجاع أسماء البلاد والعزب إلى أسباب فنية ، تحرك القلب وتسعد النفس .
فعلى غرار دولة ليبريا التي أسسها الزنوج العائدين من أمريكا ، يؤسس بعض عبيد الإقطاعيين وأولادهم عزبة جديدة ، يسودها اللون الأسود ، ليطلق عليها الجيران : عزبة العبيد .
ولا يكاد الأمر يختلف من عزبة إلى عزبة ، فهي مجرة واحدة ، لها نفس التركيب ،وان اختلفت التفاصيل .
في عزبة العبيد يظهر من بعيد قصر أبو سيف العمدة في حي الخمارة ، لكن العزبة ليس بها قصور ولا عمد ولا أثرياء .
هل يتركها الكاتب هكذا خالية من السحر؟
كلا بالطبع ، فلابد من خلق شخصية نظمية المهدية ( لاحظ التشابه بين اسمها واسم منيرة المهدية ) !
وهى مغنية خطيرة الصوت ، تحيى الأفراح والليالي الملاح في مساحة كبيرة . يذهب أبو سماعين ليراها ، حيث تعشقه بكل ما فيه من ضعف وقوة ، بل ويشاع أنها ترتجل أغان له خصيصا !
وفى فاصل رائع من الوصف الذي يتقنه خيري شلبي
يتابع رحلة أبو سماعين مخترقا العزب المتلاصقة ! :
( الكل يشتهى نظيمة لكنها –فيما يقال – لا يشتهى سوى أبوسماعين المعفن ، ولا يدرى أحد كيف تحتمل عفونته .يؤكدون أن الأفيون يعمل عمايله ، فينسيها مظهره ومخبره وأنها تحبه بعبله ........في عزبة العبيد يبيع أبوسماعين حصيلته من الشحاذة ثم ينطلق مجرجرا ساقيه في سرعة ولهوجة ، يعدل التلفيعة مجهولة العمر لا تنفك عن رقبته صيفا أو شتاء . ) .
ينتقل إلى عزبة صباح ليقابل السيد الشيال بائع الأفيون ويشترى ما يكفيه من الإبداع والسلطنة !
الأفيون يتواجد بكثرة في الرواية ، دائم الحضور في القعدات والقفشات ، وهو إحدى المتع القليلة ، كالشاي الثقيل والنكتة والحكاية والفضيحة .
تنتهي الجولة في عزبة العلمين ، ليجلس الرجل العجيب أبو اسماعين ويشرب الشاي ويمضغ الأفيون في محل سعد الله الخياط ، ثمة يجالس الصبي المتفتح صانع العراوى ، ويحكى له عن تأسيس القرى ، وكيف أن شباس الشهداء سميت كذلك لأن الرومان أرادوا تغيير مذهب المسيحيين فيها فرفضوا ، ولذا قاموا بقتل معظمهم فصارت بلدهم بلد الشهداء !
أما البلدة الكبيرة شباس عمير فان تسميتها ترجع إلى نزول عمير بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إليها !
تتميز رواية العراوى بالمفاجأة في كل صفحة . فعلى حين غرة تنبت شخصية جديدة يحتاجها السياق . كأنها كانت تتخلق في رحم الرواية لتخرج في الوقت المناسب ، وهى تخرج مكتملة كاملة الأهلية ، قادرة على إثبات وجودها كأنها شهدت كل التطورات الدرامية السابقة !
يرسم الكاتب شخصياته الجديدة بدهشة عظيمة وحرفية كبيرة ، تعوض غيابها منذ البداية ، وينجح في ربطها بالشخصيات الأخرى فلا تجد غضاضة في إلحاقها ببنية النص الأصلية .
منذ اللحظة الأولى لولادة الشخصية ، تندمج في دورها وتلتحم بالشخصيات الأخرى ، ومن تلك الشخصيات الفذة المرسومة ببراعة ، شخصية زاطا .
هي شخصية ترمى إلى السخرية من تلك العائلات الكبرى المهيمنة في الريف المصري ، والتي لحرصها على التزاوج من داخل العائلة لحفظ الثروة ، ينتج أحيانا أبناء حمقى ، تحميهم أرضهم من السعي والاختلاط ، فتبقى حبيسة السراي الواسعة ، تعيش في عالمها وتتصرف كما يحلو لها :
( وقور ، أبيض البشرة ، يبدو على وجهه الصلاح والشر معا ، يتجمعان في لمعة عين واحدة تروح وتجئ تحت جفنيه . يرتدى جلبابا نظيفا وطربوشا فاقع الاحمرار. يمسك بيده عصا من الأبنوس على شكل امرأة جميلة يقال إنها ترمز إلى الدنيا ، وأنه تبعا لذلك يمسك الدنيا في يده ليطوح بها كما يشاء . كان يطوح بعصاه في الهواء تارة وفوق ظهورنا تارة أخرى، وبيده الأخرى يقذف علينا كل ما تصل إليه يده من دبش أو زلط ولا يفتأ يصيح : زاطه زاطه ولم نكن نفهم معنى زاطه هذه ، ولكننا سمينا الرجل زاطه ، فلحقه الاسم طول حياته . ).
تستمر سيرة البلاد الجميلة ،يحكيها روائي عليم ، قرأ وبحث ودرس وعشق . أحيانا تشيع نبرة سخرية من الناس والأماكن والوقائع ، وتتطور إلى الكاريكاتورية ، فينتزع ابتسامة ربما تتسع وتصبح ضحكة ثم قهقهة !
إنها سخرية موجبة ، لا تتعالى أو تسمو فوق المواقف ، لكنها سخرية المصري مما يضايقه دون إسفاف .
وإذا كان لابد من ملاحظة لأن الكمال لله وحده ، فان الإغراق في الحكى والاهتمام بآلاف الحوادث وتكرار بعض المواقف ، ربما يعيق التلقي للقارئ العادي ، وربما لو شذب خيري شلبي عمله الكبير قليلا ، وأزال منه تلك الأغصان الزائدة التي أرهقته وأرهقت قارئه ، لكان خيرا له ولنا !
مع ذلك تقف رواية العراوى إلى جوار شوامخ الأدب المحلى والعالمي ، ويقف خيري شلبي ندا لكل الحكائين العظام الذين خلقوا عوالم لا تنتهي من المتعة واللذة .

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى