باب ذهاب العقل ( من مجموعة اللافتات )

اذهب الى الأسفل

باب ذهاب العقل ( من مجموعة اللافتات )

مُساهمة من طرف samir elmanzlawy في الإثنين فبراير 08, 2016 7:47 pm

باب ذهاب العقل ( من مجموعة اللافتات )
لم أصل أبدا الى جذور مرض الجنون ، رغم رحلتى الطويلة فى شعابه ومساربه .
ظل الأمر يحيرنى ويلد فى داخلى مئات الأسئلة .
كيف يتحول الانسان المتزن الحذر الى وحش ضال هائم ؟
شغلنى الجنون منذ طفولتى ، حين راقبت فؤاد مجنون قريتنا ، كنت أطارده مع الأطفال ، نصفق ونصيح ونقذفه بالطوب فيعيده الينا مقذوفا فى رؤوسنا !نختبئ وراء الجدران ، ونتساقط فوق بعضنا فزعين .
وسط الجرى والصياح والفزع ، كنت أتساءل : لماذا؟
فى بداية شبابى مات فؤاد ، ولم أتوقف عن التفكير . فى غضون شهور لم تسلم القرية من وجود مجنون يجوس خلالها ، فقد صدم الجميع لأن الأستاذ فريد المدرس فقد عقله بلا مقدمات !
أصبح يدور فى ردهات المدرسة وحديقتها، يبتسم للهواء ، ويخاطب أشخاصا غير موجودين!
أخذه أخوه بمعجزة الى طبيب ، جلسات كهربائية ، علاج طويل ، لا فائدة .
وزع الآن وقته بين المزارع والمقابر ، دخل جنونه ضمن مفردات الحياة اليومية ! كما كان جنون فؤاد من قبله .
تسلم الأطفال عملهم الأثير بالطوب ، لكنه كان يتفاداه دون اعادته الى رؤوسهم .
ما هو الشئ الذى فقده؟
كيف يمكن تعويضه ؟
رحلة طويلة مضنية فرضت على داخل كتب التحليل النفسى ، والسلوك ، واللاشعور . ولجت دهاليز ومغارات . هل أصل الى سر المرض اللعين؟
ستكون معجزة !
سأحاول علاجه من واقع قراءاتى . أحدثه ببساطة ، ثم أنفذ الى باطنه لأكتشف ما يمنعه من ارتداء بذلته النظيفة والعودة الى مدرسته!
دخلت المقابر ، أعرف مكانه ، كان جالسا بثياب رثة ، شعره استطال واختلط بلحيته ، ذاب لحمه وبقى جلدا على عظم .
اضطرب لما رآنى ، أشرت له ان اطمئن ، ظل جالسا . يداه لا تكفان عن الحركة ، يكورهما ليضرب الهواء ، يهمس بشتائم .
تفرس فى وجهى وابتسم ثم قال بصوت واهن :
- ابعد الطيور .
- حاضر .
عاد يبتسم ، شاركته وقلت :
- هل تسمح لى بالحديث معك؟
عاد يضرب الهواء ويشتم أشخاصا ، اهتز كاللولب ، انطلق كالحيوان الهارب .
عدت فى اليوم التالى ، نفس الابتسام والشكوى من الطيور والشتائم . أمى كاشفتنى بقلقها لزياراتى ، سأضاعف مجهودى لأنهى المهمة فى أقرب وقت .
تذكرة داود !. لماذا نسيتها ؟
فتحت صندوق الكتب القديمة ، أيقظت التذكرة ، باب ذهاب العقل :
( ويوصف لذهاب العقل لبن ناقة ولود ،يمزج بزيت الماروخ والسعتر وجوز الطيب .يوضع المزيج فى اناء يعرض لطل الفجر ثلاث ليال .)
جهزتها على الفور ، كان يجلس فى المقابر ، يخط خطوطا على التراب الناعم . فتح فمه على اتساعه ، بدت ثلاثة أسنان أمامية خلعت حديثا ، وقد تقرحت اللثة مكانها . نظر بقلق الى الاناء ، قدمته اليه ، تجرعه في رشفة واحدة ، ثم قذف الاناء بعيدا.
انتظرت النتيجة ، شغلت بالقراءة يومين ، فى اليوم الثالث اتجهت اليه متلهفا . لم يكن له أثر !
شعرت بالخوف ، لم أعد الى البيت ، بل تركت قدمى تقودانى فى الطريق الزراعى .
نهشنى القلق طول الليل ، سخرت منى الكتب المرصوصة ، جسدى ينتفض .
فى الصباح وجدوا جثة الأستاذ على طافية فوق النيل !
لا أعرف ماذا فعلت يومها !
هل جلست ؟ أم نمت ؟
كل ما أجده فى متناول ذهنى أننى خرجت الى الشارع ، فقابلنى طفل ، ضحك طويلا وهو يحدق فى وجهى ، وينظرالى يدى !
فكرت قليلا ، ثم واصلت سيرى ،لكن شابا ضحك ثم نظر نفس النظرات الى وجهى ويدى . عدت مهرولا الى البيت ، استوقفنى صديق:
- ماذا بك؟
- لاشئ
- لماذا تضرب الهواء بيديك؟
لم أرد ، قال :
- لماذا تقفز هكذا ؟ هل أنت مريض؟
انتزعت نفسى بعيدا ، مجموعة من الغلمان قهقهوا لدى مرورى ، صرخوا ، جريت مفزوعا .
يجرون خلفى بكل قوتهم ، ازداد عددهم ، قذفونى بالطوب ، أرده فى رؤوسهم ، احتمى بالمقابر ، لا زالوا يقذفون ، ويضحكون كالوحوش ، لا أدرى لماذا ؟

samir elmanzlawy
Admin

المساهمات : 181
تاريخ التسجيل : 07/02/2016

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samirelmanzlawy.forumegypt.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى